سعيد حوي

1450

الأساس في التفسير

إنّ سورة المائدة في محورها الرئيسي تبيّن الطريق الذي إن سلكه إنسان فإنه لا يستحق هداية اللّه ، ويأتي في معرض ذلك ذكر الطريق الذي إذا سلكه إنسان يستحق هداية اللّه ، بينما كان السياق الرئيسي في سورة النساء تبيان الطريق إلى التقوى ويأتي في معرض ذلك ما يتنافى مع التقوى . لاحظ أنّ الأقسام الثلاثة في سورة المائدة تتكامل من حيثيّات متعدّدة ، ومن جملة مظاهر هذا التكامل : أن القسم الأوّل وهو يذكر في سياقه الرئيسي ما به يستحق الإنسان الإضلال يوصل إلى القسم الثاني الذي يبدأ بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ففيه تعزية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن والسورة تفصّل في الطريق الذي يستحق به صاحبه الضّلال ، لا تترك قضية البلاغ بناء على أن إنسانا ما سار في مثل هذه الطرق وبالتالي فلا علينا ألا نبلغه ، ولذلك فإن القسم الثالث يبدأ بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وسنرى مظاهر أخرى من التكامل في السّورة مما يشعرنا بوحدة سياقها زيادة على تفصيلها لمحورها . وبعد أن عرفنا أن القسم الثالث في السورة يتألف من مقطعين هما المقطع السادس والسابع فلنبدأ الكلام عن المقطع السادس الذي ذكرنا آياته قبل هذه الكلمة : كلمة في المقطع : بعد أن أكّد القسم الثاني في مقطعيه الرابع والخامس ضرورة الاحتكام إلى ما أنزل اللّه ، وأوجب الاحتكام إلى القرآن ، وبين آثار بركة ذلك على الحياة ، يأتي هذا المقطع آمرا بالبلاغ ، وخاصا بهذا البلاغ أهل الكتاب ، ومحدّدا ما يقال لهم ، ثم ذاكرا قاعدة النّجاة عند اللّه - عزّ وجل - ، وفي هذا السياق يذكر المقطع موقف بني إسرائيل من الرّسل ، عليهم الصلاة والسلام ، وهو موقف لا يستغرب معه موقفهم من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ودعوته ، ثم ذكر المقطع بعض تصوراتهم الخاطئة في شأن اللّه ، وانتقل الكلام إلى كفر النصارى ، ومناقشتهم في هذا الكفر ، ودعوتهم إلى التوحيد ، وترك الغلوّ ، وترك متابعة أهواء الضالين ، ولذلك كله صلة بالبلاغ الذي أمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بداية المقطع . ثم يقرّر اللّه - عزّ وجل - مسألة استحقاق اليهود لعنة اللّه ، وأسباب ذلك ، كما يقرّر شدة عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين ، مستثنيا من العداوة الذين استجابوا للبلاغ من النصارى . فالمقطع كله في البلاغ وماهيّته ، وخاصة لأهل الكتاب . وفيه